تحقيقات

الرياض لجعجع: لا رئيس الآن.. إيران أولاً

يجمع سياسيون على أن زيارة رئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع الأخيرة للمملكة العربية السعودية تكتسب أهمية سياسية كبيرة نظراً الى ما تنطوي عليه من أبعاد وخلفيات تتصل بمستقبل الأوضاع في لبنان والمنطقة بعد توقيع الإتفاق النهائي بين مجموعة دول "الـخمسة زائد واحد" وإيران حول الملف النووي الايراني في فيينا أخيراً.

ويقول أحد هؤلاء السياسيين البارزين لـ"لبنان24" ان ما دلّ على أهمية هذه الزيارة بأبعادها والخلفيات هو أن القيادة السعودية لم تستقبل، أو لم تدعُ أي قيادي سياسي لبناني آخر غير جعجع لزيارة المملكة في هذه المرحلة، لا من صفوف فريق 14 آذار ولا من غيره.

ولكن اللافت في هذا المجال كان زيارة الوزير وائل ابو فاعور للسعودية بعد ايام قليلة من زيارة جعجع من دون أن يُعرف ما اذا كان ذهب اليها بناء على دعوة رسمية، أو موفداً من رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط، الذي ابدى انزعاجاً شديدا من الاستقبال السعودي لجعجع، والحفاوة التي أُحيط بها وتوجت بإستقبال خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز له في حضور اركان القيادة السعودية الكبار، وقد بلغت اصداء هذا الانزعاج مسامع المسؤولين السعوديين.

كذلك بلغ هذا الإنزعاج الجنبلاطي مسامع الرئيس سعد الحريري، الذي تبين هو الآخر أنه أبدى الإنزعاج نفسه، لأنه كان يصر دوماً أمام المسؤولين السعوديين أن لا تمر علاقة أو زيارة أي سياسي لبناني للسعودية، خصوصاً من تيار "المستقبل" أو فريق 14 آذار وحتى من خارجه، إلاّ عبره أو بالتنسيق المسبق معه.

لكن الحريري وبسبب علاقته المضطربة مع القيادة السعودية الجديدة، او بعض اركانها، "كظم" استياءه، وفرضت الحفاوة السعودية اللافتة بجعجع عليه ان يستقبله في دارته في جدة لتطبيع العلاقة معه، خصوصا انها مرت بفترات طويلة من الفتور، خصوصا عندما اعلن جعجع ترشيحه لرئاسة الجمهورية في مواجهة ترشيح رئيس تكتل "التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون من دون تنسيق وتشاور مسبقين معه.

تساؤلات كثيرة سبقت زيارة جعجع للسعودية ورافقتها واعقبتها وركزت على الغاية السعودية منها، وما يمكن جعجع ان يقدمه لها في هذه المرحلة المتفجرة اقليميا، والمرشحة لأن تشهد مزيدا من التطورات، وربما المضاعفات، بعد توقيع الاتفاق النهائي بين الدول الغربية وايران. 

وقيل ان منشأ الاستياء الحريري ـ الجنبلاطي من الاستقبال السعودي لجعجع في هذه المرحلة هو انه اذا كان المطلوب تصعيد المواجهة مع ايران من البوابة اللبنانية، فإن جعجع ليس الجسم الصالح لهذا الامر، فللرجل موقفه السلبي المعروف من ايران و"الحزب" ولا يستطيع ان يقدم اكثر منه، وهو موقف بلا فعالية على الارض، ويمكن ان يؤذي مستقبل الوجود المسيحي في لبنان، بعد كل ما عاناه ويعانيه المسيحيون في المشرق العربي، ولم تردع مواقف جعجع التي تماهت مع المعارضة السورية المتطرف منها وغير المتطرف عن التعرض للمسيحيين في سوريا والعراق، بعكس موقفي الحريري وجنبلاط اللذين يؤثران في الشارع اللبناني كما في بعض ساحات الاقليم ولو معنوياً. 

ما الإرادة السعودية؟

واذ سأل سياسيون هل ان هذه الزيارة جاءت في اطار إرادة سعودية بالتصعيد والاشتباك في ملفات الاقليم بعد الاتفاق النووي وفي ظل استمرار "عاصفة الحزم" في اليمن، على رغم استبدالها بعاصفة "إعادة الأمل" توصلاً الى تجميع مزيد من أوراق القوة لاستخدامها في اي مفاوضات مستقبلاً لحل الازمات الاقليمية؟ ام انها تندرج في اطار تحضير سعودي لاتخاذ خيارات عقلانية تمهيدا للدخول الى تفاهمات وتسويات توسع دور الرياض الاقليمي بما يمكنها من تحقيق مكاسب هنا وهناك تعزز هذا الدور وتحقق التوازن على مستوى الاقليم؟

لم يرشح من الرياض اي تفاصيل واضحة عما دار في اللقاءات بين المسؤولين السعوديين وجعجع، لكن بعض الذين زاروا معراب خلال الايام الاخيرة خرجوا بإنطباع مفاده ان الجانب السعودي لم يفاتح جعجع في موضوع الاستحقاق الرئاسي الا لماماً وفي العموميات من دون الدخول في التفاصيل، ولكن "الحكيم" فهم منهم ان "الفيتو" السعودي على ترشيح عون لم ينته بوفاة وزير الخارجية السابق الامير سعود الفيصل، وانهم يفضلون انتخاب رئيس توافقي، لكنهم يرون ان ظروف هذا الانتخاب لم تتوافر بعد، وان معركتهم ضد ايران هي اولويتهم ووهي لا تزال مفتوحة وذاهبة في اتجاه مزيد من التصعيد في هذه المرحلة لأن ميزان التوازن الاقليمي ما زال مختلاً، وأن امتعاضهم من السياسية الاميركية لم يزل قائماً حتى الآن.

وعلى رغم كل ذلك فإن القيادة السعودية اكدت لجعجع انها حريصة على الاستقرار في لبنان بمعزل عن الخلافات السياسية واستمرار كل فريق في اتخاذ الموقف الذي يريد من القضايا الاقليمية المطروحة، ما يعني ان فريق 14 آذار بكل اركانه لن يتوقف عن مهاجمة ايران ودورها في المنطقة، وكذلك مهاجمة "حزب الله" اعتقادا منه انه يدعم الموقف السعودي في مواجهة طهران التي يشتبك معها في ساحات اقليمية عدة خصوصا في اليمن وسوريا.

وفي ضوء هذه المعطيات يرى سياسيون ان اي من الملفات الاقليمة لن يوضع على طاولة المعالجة اذا لم يحصل تواصل بين الرياض وطهران، وهذا التواصل لم تدل اليه بعد اي مؤشرات، في ظل تساؤل يطرحه كثيرون هذه الايام وهو: هل يمكن وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف الذي يجول على بعض عواصم المنطقة هذه الايام أن يزور الرياض، خصوصا أنه ابدى رغبة بزيارتها منذ توليه مسؤولياته في بداية عهد الرئيس حسن روحاني ولم تلبِ القيادة السعودية رغبته بعد؟


قراءة المزيد