مقالات
بالاذن
صعبٌ افتراض عدم وصول الإيرانيين إلى اتفاق مع المجتمع الدولي على الموضوع النووي وملحقاته العقابية. فهذا ما تُفصح عنه الإرادات المتقابلة للمتفاوضين. وما يُؤشِّر عليه، التوتر غير المسبوق في حدّته ووضوحه، بين إدارة أوباما ونتنياهو.. وما تقدّمه وقائع الميدان في العراق من جهة وفي الشأن السوري من جهة ثانية، من دلالات ذات قيمة رفيعة!
.. حيث صار الطيران الحربي الأميركي في العراق يشتغل كسلاح جو تابع لـ»الحرس الثوري» الإيراني، يغطّي عمليّاته ويحمي دبيبه على الأرض! وحيث تقدّم إدارة أوباما في سوريا، الدليل تلو الدليل، على عدم رغبتها في استفزاز طهران، من خلال الضغط باتجاه التعجيل في إسقاط بقايا سلطة الأسد الآن!
والواضح، أنّ طهران قلقة ومستعجلة أكثر من واشنطن والغربيين، بل تكاد أن تفقد أعصابها في ربع الساعة الأخير من العملية التفاوضية. وليس أدلّ على ذلك، وعلى توتّرها واستعجالها ذلك الاتفاق، من صخبها الإعلامي والسياسي المرافق لصخبها الميداني من اليمن إلى سوريا مروراً بالعراق. حيث تحرص، على غير عادتها، على إظهار تدخّلها الواضح المباشر. وإشهار رموزها القتالية على الملأ. واستفزاز العرب وأكثرية المسلمين أكثر فأكثر. والدفع باتجاه المزيد من التوتير والفتن. ثمّ إشاعة ما يكفي من ضخّ يفيد بأنّ الآتي أعظم، في حال لم يتم الاتفاق النووي!
وإيران تعرف ماذا تفعل: توظّف كل تلك المظاهر السلبية والمتفجِّرة لخدمة مشروعها ومصالحها الاستراتيجية، وفي سياق سعيها إلى كسر طوق العقوبات الاقتصادية والمالية المفروضة عليها. لكن الحاصل، الذي تغيب عنه الأخلاق وموجبات النصّ الديني الجامع، هو أنّها تبتزّ الغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاً بتهديد الاستقرار في الجوار العربي والإسلامي!
أي أنّها لا تكتفي بإلحاق الضرر المباشر بهذا الجوار، بل تُظهر فعلياً وعملياً وواقعياً، أنّ الغرب الذي تفاوضه معني بهذا الاستقرار بقدر الشعوب والدول المستهدَفة! هذا الغرب المُتَّهم، في خطاب الكلس الممانع، أنّه المتآمر التاريخي الأبدي، على وحدة العرب والمسلمين واستقرار مجتمعاتهم وكياناتهم السياسية والسيادية، تبتزّه إيران من خلال التلويح له، بتحقيق أمنياته الأثيرة عبر تسعير وتيرة الخراب والفوضى!
والجديد في هذه المناحة، هو إضافة لبنان إلى القوس الابتزازي هذا. وتسريب خبريّات تضعه على السويّة ذاتها مع اليمن والعراق وسوريا، من خلال التبشير بعودة الاغتيالات إليه!
أمّا المُتَّهم سلفاً بذلك الملف الأسود، فليست سوى بنت الحرام هذه المسمَّاة إسرائيل.. أي أنّ إسرائيل، وفق ذلك الخطاب الممانِع، ستزعزع الاستقرار اللبناني بالاغتيالات، من ضمن السياق ذاته المرتقب لازدياد حدّة الاشتعال في المنطقة العربية والإسلامية، «في حال الفشل» في توقيع الاتفاق النووي!
.. وحدها ثقافة الممانعة الإيرانية الأسدية تُنتج هذا القدر من الذكاء والألمعية! ومَن لا يصدِّق ذلك، ما عليه إلاّ أن يقرأ صحف تلك الممانعة، في بيروت في هذه الأيام!






