مقالات

في بعبدا: نحن أمام إجتياح شبيه بـ 82!

ملاك عقيل


ملاك عقيل / جريدة الاتحاد

لا يتعاطى الرئيس ميشال عون، ولا "غرفة عمليات" القصر الجمهوري، مع إستقالة الرئيس سعد الحريري على أساس أنها تأتي ضمن مناخات شبيهة بتلك التي سادت قبيل اغتيال الرئيس رفيق الحريري، كما ورد في خطاب إستقالة رئيس الحكومة، ولا أيضا ضمن مناخات 1990. ثمة من يجزم في قصر بعبدا "نحن أمام سيناريو شبيه بـ 1982"!

"اجتياح" سعودي بكل ما للكلمة من معنى "بكل الوسائل الممكنة والمتاحة". "تقدير الموقف" يصل الى هذا الحدّ من التعبئة، لذلك بدت ردّة الفعل على مستوى "الزلزال": استيعاب فوري عبر إعلان ما يشبه حالة طوارئ طالت الأجهزة الأمنية والعسكرية أولا، فالسياسية، ثم المالية والاقتصادية والدبلوماسية.

استنفار على كل المستويات منعا لنجاح مخطط "التفتيت والتركيع" وصل الى حدّ تحميل البطريرك الراعي رسالة شديدة الوضوح واللهجة من لبنان الى المسؤولين السعوديين بشأن ضرورة تحييد لبنان عن ساحات تصفية الحسابات والمطالبة بعودة رئيس الحكومة الفورية الى لبنان وتوضيح ملابسات استقالته، وهو الأمر الذي سينقله عون اليوم الى سفراء أعضاء الدول الخمس في مجلس الأمن إضافة الى المانيا وايطاليا .

ثابتة أخرى يضعها العهد في الحسبان. لبنان يصعب كثيرا أن يكون ساحة إنقلاب لا للسعودية ولا لغيرها. وإن صحّ القولّ بنجاح الانقلاب عام 1990 بنفي ميشال عون الى الخارج، فإن التفرّد الاقليمي الذي كان عنوانه سوريا يومذاك، والتفرّد الدولي بعنوان أميركي والانقسام الداخلي آنذاك، كلها "مؤثرات" غير متوافرة في المرحلة الراهنة.

خطوط القصر الجمهوري مفتوحة مع الجميع تقريبا. ثمّة إتصالات دولية معلنة وأخرى غير معلنة. الموقف المصري بمثابة سترة واقية من "الرصاص" السعودي. إطمئنان كامل الى الموقف الروسي والايراني والعربي بشكل عام. الاتحاد الاوروبي يستفيق تدريجا من "صدمته". فرنسا تعمل على جبهة "حماية سعد" بداية عبر استيعاب ما حصل ثم الدخول على خط تحسين شروط "إحتجازه" في المملكة، وصولا الى تأمين مخرج لائق له الى العاصمة الباريسية.

أما أميركيا، فرهان على المقاربة "العقلانية" التي تجلّت في حديث الناطقة باسم الخارجية الاميركية هيذر نيورات، قبل وصول الوزير السعودي ثامر السبهان الى واشنطن، والتي تجلّت من خلال الإشارة الى دعم الجهود السعودية في مكافحة الفساد لكن "بشفافية وعدل"، و"بأن علاقة الادارة الاميركية مع الحكومة اللبنانية وثيقة ولن تتغيّر"، والأهمّ نفي واشنطن حتى اليوم علمها بهوية الجهة التي نفّذت الهجوم الصاروخي على الرياض.

بالمقابل، التوجّس قائم، لدى دوائر القصر الجمهوري، من تصاعد التوتر السعودي الايراني ورفع ولي العهد محمد بن سلمان من مستوى التصعيد والإصرار على "إحتجاز" الحريري والتصرّف معه في الوقت نفسه على أساس أنه مسؤول "سعودي" يستقبل ويودّع ويتلقى إتصالات فيما يمنع عليه أن يتواصل مع رئيس جمهورية بلده.

هناك تخوّف أيضا من تركيز إسرائيل على "الفرصة" المتاحة لضرب "حزب الله"، ومن "بازل" يتألف من جزء من تركيبة الادارة الاميركية، وأجزاء من تركيبات عربية خليجية في محاولة منها لضمّ بيروت الى ساحات الصراع.

ومن الاستنفار القائم في أروقة قصر بعبدا وصولا الى دار الفتوى التي شهدت صباح يوم أمس لقاء بقي بعيدا عن الاعلام بين المفتي عبد اللطيف دريان والنائب بهية الحريري ومدير عام الأمن العام اللواء عباس ابراهيم تلاه كلام غير مسبوق للوزير نهاد المشنوق مرورا بيان "كتلة المستقبل" المقتضب والمعبّر، بدا الداخل اللبناني ولأول مرّة منذ العام 2005 على الموجة نفسها.

أوساط قصر بعبدا تؤكّد "أن التسوية الرئاسية لم تسقط، ولن نتخلى عنها بأي ثمن. هي تسوية حيكت بقرار داخلي لكن بصمت خارجي عليها. اليوم كسر هذا الصمت لكن التسوية باقية"، مشيرة الى "أن دور الحريري لم ينته بعد".

"كوفر" صفحة رئيس الجمهورية التي أعادت نشر صورة للرؤساء الثلاثة على فايسبوك واحد من أساليب مقاومة "الاجتياح". يستكمل ذلك برفض تحديد مهلة لـ "التريث" بانتظار عودة الحريري، "فطالما هذا التريث يؤمّن عامل ضغط على الجهات المسؤولة عن الازمة، سنستمر به، فيما ينتهي مفعوله حين يصبح غير مؤات لمصلحة البلد"، كما تؤكّد أوساط بعبدا.

وتشير الى أن هذا التريث "يصون كرامة اللبنانيين، وكرامة موقع الرئاسة الثانية والفريق السياسي المحسوب عليها، كما يؤدي الى تحريك المواقف الدولية للضغط على مسؤولي الأزمة". يبدو لافتا في هذا السياق، تخصيص دوائر القصر موعدا للنائب بهية الحريري في اليوم الأول من المشاورات ضمن لائحة رؤساء الجمهورية السابقين ورؤساء الحكومات ورؤساء الكتل النيابية، في رسالة بالغة التعبير والدلالات.

حتى الان لم يُدرج على جدول اعمال "خلية بعبدا" أي بند يتعلق بحكومة "ما بعد سعد". فالأولويات واضحة: طالما الأزمة قائمة هناك إستحالة لتسمية رئيس حكومة جديد والتكليف ثم التأليف وحتى تصريف الأعمال في ظل "تغييب" رئيس الحكومة، وبالتالي الخروج من "دائرة التريث" سيكون مؤذيا. لكن في اللحظة التي يجد فيها رئيس الجمهورية ان التريث سيؤدي غرضه بعودة الحريري عن الاستقالة، أو الى إنطلاق عجلة التكليف والتأليف في ظل تصريف أعمال طبيعي للحكومة بوجود رئيسها في السرايا عندها يتمّ التخلي فورا عن هذا الخيار.

وفي ظل مرحلة يصفها أهل القصر بـ "الخطيرة"، يقدّر المقرّبون من بعبدا "الصمت اللائق والبليغ" لفريق الرئيس الحريري، في مقابل "مجموعة صغيرة متهّورة" تحرّكها الغرائز والمصالح الشخصية، مشيرين الى أن "أي كلام لاحق حول مصير الحكومة لن يناقش إلا مع سعد الحريري شخصيا".