مقالات

ركضٌ بحثا عن الحريري "الأصلي"

ملاك عقيل

ملاك عقيل / جريدة الاتحاد

"ركضوا من أجله"... ليس كلّهم. تماما كما ليسوا كلّهم مقتنعين بأن رئيس حكومة لبنان هو رهينة بيد "المملكة" مع مطلب واحد: أعطونا رأس "حزب الله" وخذوا سعد الحريري!

في شوارع وسط بيروت نسبة لا يمكن قياس حجمها بدقة تجاوبت مع النداء الرئاسي، مدعومة بيافطات "ناطرينك". بالتأكيد بدت متواضعة الحضور أمام الشلال البشري الحامل لقضايا إنسانية وإجتماعية أعمق وأجدى، تستأهل الركض أكثر من أجلها.

داعمون لـ "الشيخ المغيّب" شاركوا وركضوا وفي تقديرهم أن "لهاثهم" صوب خط االنهاية سيذهب هدرا. فقط بعد ساعات قليلة سيقول لهم سعد الحريري عبر الشاشة المعلّبة "المحاصرة" فاقدة القرار، كما ضيفها، بأنكم ركضتم في الملعب الخطأ. "أنا الذي أخوض ماراتون "تحريركم" من "حزب الله" وشيطانه الأكبر من داخل قصور أمراء الرياض!

لن يكون مستغربا ظآلة الحضور السياسي هذه المرة في ماراتون إنفلش عدّاؤه في الشوارع وسط أغرب أزمة سياسية يشهدها لبنان على الإطلاق. نعم كل شئ غريب فيها. ثلاثية تمزج بين الضحك والذهول واللطم على ما وصلنا اليه. فيها كثير من السوريالية وشئ من الكوميديا السوداء. يصدف أن نضيّع هاتف جوّال لكن كيف يمكن أن "نضيّع" رئيس حكومة!

أزمة فتحت ذراعيها لكل الإحتمالات بما في ذلك إطلاق حملة "لتحرير" رئيس حكومة من بين يديّ "صانعي" وجوده على الحلبة السياسية وعرّابي وصوله الى السرايا.

سعد الحريري ليس هنا كما جرت العادة. غاب مرافقوه ومساعدوه أيضا. نادر الحريري ليس معنيا بالركض من أجل إسترداد إبن عمته "المجهول المصير". تعبه يصرف في مكان آخر تماما تشهد عليه الغرق المغلقة.

حتى أهل النداء، من جماعة الرئيس، يعدوّن على أصابع اليد الواحدة. البقية، ممن إعتاد الماراتون مشاركتهم قاطعوا. السيدة الأولى المحصّنة دائما بالصمت لن تخرج منه اليوم. حضورها رمزي ومعبّر مع إبنتها كلودين والعميد شامل روكز لكنه ليس كافيا. ليس بالماراتون وحده تواجَه الانقلابات!

سيكون صعبا فصل نداء الرئيس، لجعل ماراتون بيروت تظاهرة وطنية للتضامن مع الحريري، عن مسلسل "العشق" المستمر في رئيس حكومة إختفى فجأة. حبّ طاف عن حدّه. رأس العهد لن يتخلى عن إبنه. صقوره ينظّمون قصائد غزل يومية بفضائل "المغيّب". حتى أخصام "دولته" صاروا يتامى من دونه أو هكذا يوحون، لكنه غرام مع مدّة صلاحية. ينتظر الجميع ما سيقوله "المغلوب على أمره" من خلف الشاشة. فمنسوب العاطفة والاحتضان لن يبقى هو نفسه إذا اصرّ "المعتقل" على روايته حتى لو تحت الضغط... "عرق" الركض سيذهب هدرا!

هذه وجهة نظر يقابلها أخرى. نحن أمام "ابو ابراهيم" السعودي، والحريري ضحية كمخطوفي أعزاز. لماذا تجوز البراءة هناك ولا تصحّ هنا. متلازمة ستوكهولهم تضرب في الرياض. هكذا قرّر مسبقا كل من سيستمع الى الحريري متحدّثا عن ظروف استقالته في مقابلة حدّد توقيتها "الخاطف" واختار المحاور لها، وزوّده بفريق العمل التقني وعلى الأرجح أشرف على الإسئلة... وخصوصا الأجوبة. لا شئ سيجبر هؤلاء على تغيير رأيهم. الحريري مسلوب الإرادة منذ لحظة سحب هاتفه منه، منساق لأوامر "الجلاد"، فكيف يمكن إدانته على جرم لا ذنب له فيه.

إنتهى الماراتون، لكن قصة "الشيخ المغيّب" تتشعّب فصولا. كمن يدخل سرداب ولا يعرف الخروج منه. كل الخوف أن يحتاج "دولته" الى ماراتون آخر. قبل ذلك، إضاءة شجرة ميلاد على "نية" عودته، أو توحيد أجراس الكنائس ومآذن المساجد علّ "الخاطف" يفك أسره... عروض التشويق لا يبدو أنها الى إنحسار. بعد "مقابلة العصر" على شاشة "المخطوف" وبإخراج من "الخاطف" يمكن توقّع أي شئ، بما في ذلك تخصيص جائزة كبرى لمن يعثر على الحريري... الأصلي!