مقالات
مصير المسيحية المشرقية من مصير العالم العربي العرب اليوم أقل تسامحاً مما كانوا قبل قرون
تعج المنطقة العربية بفسيفساء دينية وطائفية وقومية. لم تنجح الايديولوجية التوحيدية في تحقيق شعارها الأساسي بدمجها وصهر الأقطار العربية في دولة قومية أوسع، بل جاءت بنتيجة عكسية. تتفشى اليوم في نسيج العالم العربي أمراض التطرف وهي بمعزل عن مصدرها سواءً كان داخلياً نابعاً من أنظمة الحكم السلطوي أم خارجياً بفعل المؤثرات الخارجية السلبية، فإنها قد تؤثر جذرياً على مستقبل التعايش في المنطقة.
العالم العربي المأزوم
بعيداً عن التشخيص الوصفي، يمكن تحديد ما يجري في العالم العربي اليوم بأنه حريق يلتهم مجمل الحضارة العربية، إلى درجة أن جماعات عدة كانت تعتز بأنها في أساس فكرة العروبة والانتماء إليها، وهي جماعات غير محصورة بمسيحيين بل تشمل مسلمين أيضاً، تعيد اليوم حساباتها بعد تدمير تراث عربي عريق من التعايش لم يكن ضحاياه فقط مسيحيون.
أما الجانب الأكثر خطورة فهو الناجم عن إبادات جماعية يتم تنفيذها على مرأى من المجتمع الدولي الذي اعتاد على رؤية المجازر أو هو متعامىٍ عنها، وسط عجز الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي حيال مرحلة هي من أحلك المراحل التاريخية التي يمر بها العالم العربي. انها مرحلة فشل القانون الدولي العام وقصوره عن حماية المدنيين الآمنين، وهو الذي وجد من اجلهم في الأساس.
وعلى الصعيد العربي، لم تنجح الأنظمة العربية طيلة عقود في بناء المواطنة في عالم عربي متعطش إلى المساواة والمواطنة والقاعدة الحقوقية والمسار الديمقراطي في الحكم. العديد من الأسباب تسوّق كذرائع ومن شأنها إطالة عمر أنظمة استبدادية.
لماذا تراجع المسيحيون؟
منذ دخول المجتمعات العربية مرحلة الحروب المتنقلة بين لبنان وفلسطين والعراق وسوريا، تراجع عدد المسيحيين تدريجياً لأسباب متشابكة راوحت بين السياسي والاقتصادي والديني والأمني. ونهاية الوجود المسيحي في لبنان أو العراق أو سوريا أو مصر أو إضعاف فاعليته، لا يعني أن المتبقين من المسلمين يعيشون مستقبلهم بأمان وازدهار، بل قد تدب الصراعات بينهم ويمكن أن تكون أقسى وأعمق. من يضمن ألا يتصارع المسلمون في ما بينهم؟ ومن يضمن أن الطرف الذي بقي في بلده وسيطر سيظل آمناً داخلياً لا يتقاتل مع أهله ومع نفسه. من دروس النزاعات المسلحة في لبنان أن الحرب الأهلية لم تكن تلك التي دارت فيها المواجهات بين طرف داخلي وآخر خارجي، بل كانت تلك التي تواجهت فيها مجموعات من المسيحيين ضد بعضهم البعض، أو مجموعات من المسلمين ضد بعضهم البعض، وكانت خسائرها أكثر كلفة.
ان هجرة المسيحيين من لبنان مرتبطة بأسباب اقتصادية وسياسية وأمنية. أما تنامي الموجة الأصولية الاسلامية فليس عاملاً وحيداً أو رئيسياً أو حتى ضاغطاً في تفاقم الهجرة لأنها موجهة أولاً ضد المسلمين المعتدلين قبل أن تكون ضد المسيحيين. يهاجر المسيحيون من لبنان منذ أكثر من مئة وخمسين سنة بحثاً عن عمل في الخارج أو سعياً وراء الأمان. الضائقة الاقتصادية فاقمت خلال الحرب هجرتهم لكن لم تقتصر هجرة اللبنانيين على المسيحيين فقط، بل ان أعداد المسلمين الذين رحلوا عن لبنان لم تكن أقل بكثير من أعداد المسيحيين.
إن تدني الوجود المسيحي في الأراضي المقدسة لا يعود الى وطأة أسلمة المجتمع الفلسطيني، لأن الهجرة المسيحية تفاقمت بعد قيام دولة اسرائيل. ويُخشى إذا استمر النزف المسيحي أن تتحول رمزية القدس الدينية مع رحيل المسيحيين إلى رمزية مجرّدة، بحيث تصبح الكنائس ودور العبادة والأماكن المقدسة معالم أثرية فحسب.
إن ميل النظام المصري نحو اقصاء الأقباط عن الحكم ليس مسؤولاً وحده عن حالة تهميشهم، إذ لا يُنتخب لهم نواباً لأن الانتخاب يتم على أساس الأحزاب ونادراً ما يدخلونها. في حين يمارس رئيس الجمهورية صلاحياته الدستورية ويُعيّن البعض منهم في مجلس النواب. لكن اللافت هو ان قانون الانتخاب لا يخوّلهم انتخاب ممثلين عنهم لأنه يغرقهم في أعداد ودوائر كبرى لا تسمح بصحة تمثيلهم. وهناك استعمال للعنف ضد الأقباط أحياناً.
دور التطرف
المتدينون إسلامياً قبل عقود كانوا أكثر تديناً من الأحزاب الدينية السنيّة أو الشيعية، وكانوا في الوقت نفسه أكثر مدنيين من الأحزاب العلمانية اليوم. وكان العنف ضعيف الأهمية، وإن وجد كان مصدره الدولة. أما العنف اليوم فهو ناجم عن فئات متطرفة تمارس الارهاب. لم يكن المسيحيون وحدهم في الماضي ينعمون بالآمان، بل أقليات إسلامية أخرى غير مصنّفة في إحدى الطائفتين الرئيسيتين أي السنيّة أو الشيعية. الارهاب الكامن أو المتفجر اليوم في أي مجتمع عربي بهدف إزالة الإختلاف وتحقيق المجانسة الطائفية قد يصل إلى ذروة التناحر بين الطوائف. إن ظهور الحركات الراديكالية والتكفيرية أعطى صورة مقلقة للديانة الاسلامية مخالفة لصورة الاعتدال ونبذ التطرف الديني والتسامح الذي تميز به الإسلام طيلة قرون خلت.
مشكلاتنا واحدة
يقتضي عدم النظر الى قضية المسيحيين كقضية منفصلة عن مشكلات العرب على الصعيد الجماعي، سواء كان مصدرها أنظمة الحكم أو المؤثرات الخارجية السلبية، أو الفقر أو التهميش والقمع السياسي والارهاب الطائفي... بل تؤثر هذه الأسباب وغيرها في كل الطوائف. من هنا يلاحظ وجود رغبة لدى الشباب العربي إلى الهجرة نحو الغرب طلباً لتحسين أوضاعهم الاقتصادية أو هرباً من بيئتهم السياسية السلطوية. يتخبط الواقع العربي اليوم بين هويات دينية أو مذهبية متقوقعة ومتصارعة، مما أفقد العرب عامةً روح التسامح التي تميزوا بها لقرون خلت.
عميد المعهد العالي للدكتوراه للحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية




