مقالات

«الطاولة المستديرة في طرابلس» تطرح ميثاقاً لـ «إبعاد السياسة عن التنمية»

رائد الخطيب

خلت «الطاولة المستديرة لمكافحة الفقر في طرابلس» من أي صدمة ايجابية. فالارقام والمؤشرات عن الفقر باتت معروفة، كما بات حجم الاقتصاد الشمالي والطرابلسي مقدراً في ظل تحذير البنك الدولي عن المستوى الذي بلغه والذي فاقمته أعباء النزوح السوري (بات يشكل 32 في المئة من سكان المدينة). وهذا مؤشر على أنَّ جيشاً من العاطلين من العمل يكبر سريعاً ويهدد الامن الاجتماعي بالخطر.


«الطاولة المستديرة« التي نظمتها لجنة متابعة الانماء بالتعاون بين نقابة المهندسين في الشمال وهيئات المجتمع المدني، وتحدث فيه وزراء ونواب المدينة وفاعلياتها الاقتصادية والخبراء، على مدى خمس ساعات، نبهت الى المخاطر التي تحوط بطرابلس التي «دخلت العناية الفائقة وتحتاجُ فريقاً طبياً كاملاً»، كما قال مستشار الرئيس سعد الحريري، عبد الغني كبارة.


كثرة الكلمات التي القيت (نحو 18 كلمة)، دلت على عمق المشكلة التي تواجهها العاصمة الثانية، لكن المؤتمر لم يخرج بنقاط عملية واضحة لحل أزمة 60 في المئة من سكان المدينة أي الفقراء فيها، سيما وأن الدولة كانت غائبة، كما المستثمر الذي تحتاج اليه المدينة لانهاض اقتصادها. 


ابرز ما يمكن تلخيصه مما انبثق عن المؤتمر هو الاتي:


- طرح حل يقضي بالاتجاه نحو توقيع ميثاق شرف بين سياسيي طرابلس لابعاد السياسة عن التنمية. وسيسعى نقيب المهندسين في الشمال ماريوس البعيني، خلال الأسبوعين المقبلين للتحرك من أجل توقيع الميثاق، وهو قال لـ«المستقبل» ان «الميثاق سيكون جاهزاً للتوقيع خلال عشرة أيام، للانطلاقة الاقتصادية بعيداً من السياسة».


- الدعوة الى «مصالحة طرابلس والاعلام«، وهو موضوع سيتم التحضير له، خصوصاً وأنَّ الصورة السلبية عن طرابلس باتت هي الطاغية إعلامياً، وهو اقتراح طرحه النائب سمير الجسر الذي دعا الى «توجيه الاعلام نحو الايجابيات الموجودة في طرابلس، والابتعاد عن الأخبار المثيرة التي هدفها الاعلانات على حساب طرابلس، والتركيز على النصف الملآن من الكوب«.


- توقف الحاضرون عند مسألة ضعف تدخل الحكومة المركزية في طرابلس، وضرورة ان تقع المرحلة المقبلة على عاتق البلديات التي عليها التخطيط جدياً للخروج بطرابلس من نفق الأزمة الاقتصادية، والافادة من فسحة الأمن والاستقرار التي تنعم بها منذ سنتين، خصوصاً و«أنَّ الحكومة لم يعُدْ يؤملُ منها شيئاً«، كما قال وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس: «هذه الحكومة لا تتأملوا منها خططاً كبيرة ولا لشيء، منتهى أن تبقى هذه الحكومة حارسة على هذا الكرم الذي تركه أصحابه ولم يشفقوا عليه».


افتتاح المؤتمر


في تفاصيل افتتاح المؤتمر، تحدثت منسقة لجنة متابعة الإنماء ربى دالاتي رافعي، متوجهة الى قيادات طرابلس السياسية، وقالت لهم «نضعكم اليوم أمام تحمل مسؤولياتكم لإعادتها إلى كنف الوطن كعاصمة ثانية، بل كركن أساسي في تعزيز الإقتصاد الوطني، وطرابلس يمكن أن تنهض بقليل من المساعدة ويكفي أن يتوحد أهلها لخدمتها بعيدا عن المهاترات والسجالات السياسية، فنتابع تنفيذ المشاريع التنموية بصيغة تشاركية تكاملية لنجعل منها لؤلؤة المتوسط».


النقيب بعيني قال من جهته «بعدما كانت طرابلس تمثل من خلال إتحاد مدنها الثلاث عاصمة الإقتصاد لعدد من الحضارات التي مرت على منطقتنا، غير أننا نتساءل أين نحن اليوم من ذلك الدور الإقتصادي للمدينة، وقد أصبح تصنيفها كأفقر المدن على ساحل المتوسط؟». أضاف «نحن على دراية كاملة أن الكثير من رؤوس الأموال موجودة لدى فئات عدة من أبناء المجتمع الطرابلسي، ودورنا اليوم هو الإضاءة على كيفية إيجاد فرص العمل لمكافحة ما نشهده من تردي الحياة المعيشية لأبناء المدينة». وأعلن عن دراسة أولية تقوم بها النقابة لإستثمار جزء من عقار تملكه النقابة في منطقة رأسمسقا، لإنشاء مركز تدريب مهني حرفي يؤهل اليد العاملة لتعود طرابلس إلى سابق عهدها، مركزا لليد العاملة الحرفية.


بدوره، الخبير والباحث في الشؤون الإنمائية أديب نعمة تحدث عن مشروع تنمية مدينة طرابلس، الذي يشير الى وجود فجوة تنموية كبيرة بين مستوى المؤشرات في المناطق الطرفية عموما ومناطق عكار والضنية وطرابلس بشكل خاص. وهي فجوة تزداد عند المقارنة مع مؤشرات بيروت وجل لبنان خصوصا. ونبه الى ان «استمرار الوضع الحالي في طرابلس يمكن ان يشكل تهديدا مباشرا للأمن والإستقرار في لبنان كله«، فيما «إطلاق مسار تنمية شاملة في المدينة من شأنه أن يشكل فرصة سياسية وإقتصادية للبنان تتيح إمكانية حقيقية لنمو إقتصادي مستدام يساهم في إخراج الإقتصادي اللبناني من ركوده من خلال مشروع رؤيوي لدور مدينة طرابلس ومحيطها في إطلاق دينامية تنمية ونمو يكون لها مفاعيل إيجابية على الوضع في المدينة نفسها». 


ثم تحدث عضو لجنة متابعة الانماء الاستاذ المحاضر في كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية في الجامعة اللبنانية، محمد علم الدين، عن مشاريع مقترحة لتنمية طرابلس من قبل لجنة متابعة الإنماء. فعدد بعض توصيات مؤتمر «التحديات والفرص الإنمائية في طرابلس« السابق، ومنها إزالة المعوقات الإدارية والمالية والتنفيذية، وتحديد العوامل المحفزة للإسراع في وتيرة تنفيذ المشاريع الإنشائية، وتشجيع المبادرات الهادفة إلى إعداد يد عاملة متخصصة، وإعادة إحياء المهن والحرف التقليدية التي لطالما إشتهرت بها طرابلس، وإعتماد برامج توعية قانونية وإقتصادية وإجتماعية تتيح للمواطن معرفة حقوقه وواجباته.


وتخلل حفل الإفتتاح فيلم وثائقي عن طرابلس، تضمن أرقاما عن الفقر والتسرب المدرسي وأنشطة لجنة متابعة الإنماء وإجتماعاتها ولقاءاتها مع المعنيين.


الجلسات


في الجلسة الاولى التي ادارها مدير صندوق التنمية الإقتصادية والإجتماعية محمد عرابي، تحدث درباس فاشار الى أن «مسألتي الفقر والتنمية في مدينة طرابلس ليست قضية محلية او من صلاحيات وزارة او جهة معينة إنما هي قضية كل الحكومة بكل وزاراتها بالاضافة الى الجهات المحلية الخاصة والاهلية«. واعتبر أن التصدي للفقر لا يمكن ان ينجح من دون خلق آليات ايجابية اقتصادية واجتماعية تقوم بتنشيط المدينة على المستويات كافة وديناميات اقتصادية يتكامل فيها القطاعين الخاص والعام من اجل اطلاق الحركة الاقتصادية ليكون خلق فرص عمل العمود الفقري لاستراتيجية متوسطة وبعيدة المدى.


تلاه، المشرف العام على مجموعة العزم عبد الاله ميقاتي، فأكد أن معالجة الفقر بشكل جذري لا تكون الا من خلال تأمين الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي للاستثمار في المدينة، ووضع رؤية وبرامج اقتصادية-اجتماعية قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، وتعاون وثيق بين القطاعين العام والخاص ووضع رزمة من القوانين التي تعطي حوافز للاستثمار خارج مدينة بيروت على بعد 60 كيلومتراً مثلاً. 


بعده، تحدث رئيس بلدية طرابلس أحمد قمر الدين، فدعا الى انشاء صندوق مشترك للتنمية البشرية، كمدخل أساسي لوقف تمدد حزام البؤس داخل طرابلس، لمعالجة أسباب حزام الفقر الى التسرب المدرسي، واستئصال هذه الآفة الاجتماعية، حيث تقدر نسبة الرازحين تحت خط الفقر 7 في المئة، من اجمالي عدد الطلاب، على أن تكون ادارة الصندوق من البلديات والوزارات المعنية وادارات المدارس، وسيكون تمويله من بمساهمة من البلدية والمواطنين والدول المانحة والصديقة.


في الجلسة الثانية التي ادارها الخبير الاقتصادي ميشال سماحة، عدد النائب بدر ونوس مجموعة الكوارث التي ادت الى حال الفقر المستشرية في طرابلس، وهي بالاضافة الى اغلاق الحدود بين لبنان وسوريا، توقف اقفال المصانع لا سيما في منطقة البحصاص، وتوقف شركة تكريري النفط وهجرة الرساميل من طرابلس، داعياً الى رفع الصوت عالياً وتفعيل المرافق الحيوية في المدينة.


أما رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس والشمال توفيق دبوسي، فقد أشار الى دور الغرفة والاتفاقات المعقودة ورؤية الغرفة لتحقيق النهوض الإقتصادي وتوفير الأمن الإجتماعي.


الجلسة الثالثة أدارتها الدكتورة غنى مواس، وتحدث فيها وزير النقل السابق عمر مسقاوي، عن فترة توليه حقيبة وزارة النقل، ولا سيما على صعيد تفعيل النقل البري والبحري.


وقدم النائب سمير الجسر، ورقة عمل «التجربة الخاصة في مكافحة الفقر-استنتاجات لاستراتيجية شاملة لمدينة طرابلس». فقال «لا يمكن الاعتماد على الجهود الخارجية في سعينا للقضاء على الفقر، الا أن هذا لا يعني أننا لا نستطيع حشد موارد المدينة للعمل بطرق منسقة وفعالة من ضمن استراتيجية واضحة لحل مشكلاتنا بأيدينا». ورأى «أن محاربة الفقر هي قضية وطنية تستحق أوسع الاهتمام الحكومي بجعلها ركنا مهماً في الجهود الحكومية للسعي من أجل الحصول على الدعم الدولي في هذا المجال». وعدد انجازات جمعية «يد بيد لخير الانسان»، في مجال مكافحة الفقر في العاصمة الثانية.


وتميزت كلمة مستشار رئيس تيار المستقبل لشؤون الشمال، عبد الغني كبارة، «طرابلس نحو مدينة صديقة»، بواقعيتها وعلميتها، فتطرق الى تقرير البنك الدولي عن طرابلس، ولفت الى أن واقع الاستثمار في الشمال وبكافة المجالات ضعيف جداً. كما تطرق الى سبل مكافحة الفقر والتي تتطلب معالجة الاوضاع الاقتصادية والانمائية والسياسية. ورأى أن من الاسباب المباشرة المؤثرة سلباً على الاستثمار يعود الى ضعف مهارات القوى العاملة، وعدم الاستقرار الامني والسياسي، وانقطاع الكهرباء والفساد الاداري، داعياً الى الشراكة مع القطاع الخاص، خصوصاً وأن القطاع العام لا يمكنه ادارة بعض المرافق بالشكل المطلوب. وأكد الدور المهم للاطراف السياسية لجهة السعي لانماء المدينة والفصل بين الخلافات السياسية والتطوير الانمائي، واحترام التنوع السياسي، وابعاد كل ما هو لمصلحة المدينة عن الخلافات السياسية وعدم جر النزاعات الخارجية الى المدينة.


يبقى أن المؤتمر، لم يخرج بأي توصيات ولم يقرر أي مشروع، سوى الاتفاق على ابعاد السياسة عن الانماء والاقتصاد، وتدارك المخاطر الاقليمية، و«سد الطريق على الذين يريدون العبث بأمن طرابلس«، كما قال درباس.



المستقبل الإقتصادي