مقالات

ثلاث ساعات

باسكال صوما

أخذتُ طريقاً آخر لأن الطريق العام غارقٌ في الحفريات منذ أشهر، ويبدو العبور من الفرزل إلى زحلة من سابع المستحيلات. لذلك سلكت طريق تربل حيث السيارات قليلة والزفت متوفّر، رغم بعض المطبات والحفر «المقدور عليها».

بعد زحلة توقف السير كلياً. وبقينا محتجزين لأكثر من ساعة، نكاد لا نتحرّك من أمكنتنا. أشعلت بعض الموسيقى، وصرت «أتفرّج على» الناس وأثرثر مع نفسي. هذه ربما لا تحبّ زوجها، وذاك ربما ترك عمله لتوّه، وهذا يبحلق بي مشدوهاً... وهكذا. لكنّ متعة الثرثرة مع نفسي لا يمكن أن تستمرّ طيلة مدّة الحجز القسري خلف شاحنة مكتوبٌ عليها «عين الحسود لا تسود» و «إلاّ دمع أمي». اتصلت كما أفعل في حالات مماثلة بالـ112. قال الشرطيّ المسكين إنّ «الجيش عامل حاجز بشتورة. بدك ساعة لتقطعي شتورة».

حسناً، الجيش يستحقّ، لا يهمّ. نحن نعلق في الشوارع لأسباب تافهة جداً مثل مرور موكب مسؤول أو وزير أو وزير سابق، أو زواج أحدهم أو حتى هطول الأمطار، وغير ذلك. أقفلت فمي بعلكة، وكان شابٌ ضجرٌ مثلي ينظر إليّ طوال الوقت، فأفردت المرآة التي فوق رأسي ورتّبت تسريحة شعري.

المهم، وصلت إلى الحاجز. تمنيتُ كثيراً أن يوقفني الجيش ويطلبوا أوراقي أو أوراق أيٍّ من المنتظرين مثلي في سياراتهم، لكنّ ذلك لم يحدث. بل كان الجنديّ يؤشر لنا بيده حتى نمرّ بسرعة.

لم تكن هذه الزحمة الوحيدة التي تحمّلتها في ذاك المشوار اللعين، الزحمة محطات. هنا زحمة قرب منزل فيه عرس، وهناك زحمة بسبب اثنين يتحدّثان عبر النوافذ، وهناك شاحنة تريد أن تدوس السيارات. وفي مطلق الأحوال التجاوز يتمّ من اليمين دوماً. هذا قانونٌ عام.

كانت أغنيةٌ تقول «قلبي تكسّر يا حسرة خدلك منو شي كسرة». كانت هذه الأغنية أجمل ما حدث في هذا المشوار الطويل جداً. آه لحظة، هناك أغنية أخرى عليّ أن أذكرها. قالت هبة طوجي «مطرح صابيعك عكتفي عم يحرقني بالأيام». تذكّرت أحدهم وصرتُ أضحك بمفردي، قبل أن يتجاوزني صاحب «جيب» كبير ويقول لحبيبته التي بجانبه «أولك رح تشتي؟».

أعرف أنّ كل ما حدث في هذا المشوار من الضيعة إلى بيروت عاديّ جداً ومكرّر ومبتذل. لكنني وصلت إلى الجريدة بعد ثلاث ساعات متعبة وجائعة، وأيضاً مشتاقة لأحدهم. قلتُ أكتب، وكتبت.