متفرقات

كتب المحاميان خليل و فارس زعتر في النهار :"الشعب ضحية المصارف و المسؤولين"

الشّعب
ضحيّة المصارف والمسؤولين


نترُكُ للأَخِّصَّائيين من ذوي الكفاءات والخبرات العالية في الشأن المالي والمصرفي، وممَّن يتمتَّعون بالاستقلاليّة والنّزاهة والموضوعية، دراسة أسباب ومسبِّبات الوضع المصرفي الراهن وانعكاساتِه الخطيرة على الاقتصاد عموماً وحياة الناس بكافة فئاتهم. هذه الدِّراسة مطلوبة بإلحاح، ووضع تقريرٍ مفصّل بنتائجها يجب أن تكون في رأس الأولويّات.

ما يعنينا، في هذه العجالة هوَ عرضُ بعض الملاحظات لتداعيات الوضع المصرفي وأثرِه الظَّاهر الملموس على حياة السواد الأعظم من المواطنين العاديين، من زاوية قانونية وأخلاقية بديهيّة:

أولاً:    إنَّ منع المدَّخرين بالعملات الأجنية، وتحديداً بالدولار الأميركي، من التصرّف بمدَّخراتهم وسحب المبالغ التي يحتاجونها من ودائعهم الجارية وغير المجمّدة، وفرضَ حدٍّ أعلى لقيمة ضئيلة تُعطى للمودع أسبوعياً، هوَ عملٌ غير مشروع قانوناً، يستتبع المساءلة المدنيّة والجزائيّة، وقد تشكِّل جُرم إساءة الأمانة؛ ناهيك عن الإذلال الوقح للعميل كلَّما حاوَلَ أن يطلب جزأً من ودائعه لاحتياجاته، خاصة متى كانت جميعُ مدَّخرات هذا العميل بالعملات الأجنبية.

ثانياً:    إذا كانتِ المصارفُ عاجزةً عن تأمين السّيولة للإيفاء بإلتزاماتها تجاه عملائها الذين أودعوا أموالهم بعملات أجنبية وفقاً لما يسمح به القانون اللبناني، فهذا يعني قانوناً أنَّ هذه المصارف في حالة تعثُّر، حتى لا نقول في حالة إفلاس، بصرف النظر عمّا إذا كانت لديها أموالٌ منقولة بالذهب أو بعملات وطنية أو غير وطنية، تفوق قيمتها قيمة العملات التي أودعها العملاء لديها. فهيَ ملزمة قانوناً بأن تفي العميل ما أودَعَه من نفس نوع العملة التي أودعها لديها، ما لم يكن هناك اتفاق مخالف.

ثالثاً:    إنَّ التَّطمينات التي أغدقَها مصرفُ لبنان وسواه من المرجعيّات المصرفيّة عن سلامة الوضع المصرفي لبنان وثبات سعر صرف الليرة اللبنانيّة، تبيّن أنها غير صحيحة، ولم تخدع إلاّ صغار المودعْين، ذلك أن أصحاب رؤوس الأ/وال الطائلة حوّلوا مدّخراتهم إلى مصارف أجنبية. وتطمينات المصرف المركزي والجهات المصرفية والرسمية الأخرى التي خدعتْ صغار المودعين تشكل مع جرم إساءة الأمانة جريمة احتيال موصوفة بحق المودعين.

رابعاً:    إن الوضع المصرفي الحالي عاقب الشعب اللبناني بأسره بتقييد حريته في التنقل والسَّفر، والعيش الكريم من جنى يديه وعرق جبينه، وقضى على حريّته في الوفاء بالتزاماته، ودمَّر ديناميّة التخطيط للمشاريع وتنفيذها. وعليه، إذا كان هناك من يحلمُ بشَلِّ شعبٍ بأكمله ووضع يدهِ على مقدَّراته وإذلاله، فهناك خارطة طريق واضحة وخارطة الطريق هذه هيَ ما قامت به المصارفُ في لبنان مع السلطة الحاكمة وبمشاركةٍ لها في المسؤوليّة إن بصورة مباشرة أو غير مباشرة عبرَ سوء إدارة مصالح الناس، وعدم الكفاءة المخيفة لديها، وعفن شهوة الحكم، والمناورات السِّياسية الممجوجة التي ملّها الناس والتي باتت أشبه بالمهازل المفضوحة المحزنة.

خامساً:    إنَّ الإنتفاضة، أو الثورة- سمِّها ما شِئْتَ- أثبتت أنها على حقّ. حتى أن وزراء في السلطة لم يتردَّدوا عن الاعتراف بأن الوزارة خلال ثلاث سنوات من عمر هذا العهد لم تحقِّق ما يمكنُهم الاعتزاز به، ولم تُقَدِّم لهذا الشَّعب المنكوب أبسط الحقوق التي هوَ بأمسِّ الحاجة إليها. إنَّ صَمْتَ المسؤولين مُدَوٍّ بالخجل والعار.

سادساً:    إنَّ ثقةَ الشَّعب بالحكم في لبنان مفقودة على العموم منذ زمنٍ بعيد. وإنَّ أخطر ما في الوضع الحاليّ هو انهيارُ الثِّقة بالمصارف اللبنانية والقطاع المصرفي فيه بمجمله ليس فقط من اللبنانيين بل من غير اللبنانيِّين أيضاً. ونتائِجُ فقدان هذه الثِّقة كارثيّة في بنتائجها وانعكاساتها. ومع ذلك، نأملُ من "العبقرية" المصرفيّة اللبنانية أن تجترح ما يشبه أعجوبَةَ استعادة الثِّقة المفقودة عن طريق إجراءاتٍ تحافظ على حقوق زبائنها وإيداعاتهم بشكلٍ كامل. ومن الظُّلم الفادح واللاأخلاقية المهينة تحميلُ الشَّعب اللبناني المقهور نتائجَ سياساتٍ مصرفيّة خاطئة تُغطِّيها سياساتٌ حكومية فاشلة. العدالةُ تقضي بأن يتحمَّل مُسبِّب الضَّرر التعويض عن الضرر الذي تَسبَّب به، وفي رأس الأولويات يقتضي الكشفُ التام، بالتعاون مع المصارف الأجنبية، عن الأموال الطَّائلة التي خَرَجَتْ من لبنان، واستعادتها في حال ثبُت أنَّها أموالُ منهوبة، تراكمت باستغلال السلطة أو الرشوة، وباختصار بطرقٍ غير مشروعة.

زحلة في 23/12/2019    المحاميان
    خليل وفارس زعتر


قراءة المزيد