تحقيقات

عدة حراثة صغيرة تخليدا للثقافة الزراعية


خوفا عليها من الاندثار اراد الفلاح أبو سهيل علي احمد ابن بلدة كفررمان الجنوبية ان يصمم قطعا صغيرة من عدة الفلاح حفاظا على تاريخ الحراثة اليدوية. فدان، سكة حراثة، مناجل، شوك، مجارف، شاعوبة، بلاطة، منقل، شاكوش وغيرها من ادوات زراعية تفنن بها ابو سهيل وقت استراحته من الحقل فجاءت تحفة زراعية تندرج في اطار "سياحة الثقافة الزراعية التي لم تنتشر بعد نظرا الى سرقتها من التكنولوجيا" كما يقول ابو سهيل.

قطع تشي انك أمام فنان مبدع حول قطعا نحاسية يرميها الحداد الى مجرفة وشوكة ومعول، دقة لا متناهية في العمل ، بين تلك القطع ولد فن "حماية التراث" حسبما يقول ابو سهيل المزارع العتيق السبعيني الذي يخشى أن "يغدر الزمن بأدواته ويطويها التطور والعصرنة".

العام 1979 ولدت فكرة صناعة ادواته بشكل مصغر ، وكان المنجل اول الغيث صنعه من قطعة نحاس بطول 5 سنتم وكرت بعدها سبحة العدة الصغيرة، التي تحتاج الى صبر وحنكة وذكاء وعبرها يقدم نموذجا فنيا بسيطا ولكن هو ابداعي. فعبقرية الفلاح تجسدت في عدة عرف أبو سهيل كيف يوظفها لخدمة فن متحرر من قيود التطور. 

موهبة فنية جديدة يطلقها أبو سهيل، يطرح معها اشكالية ماذا بقي من التراث العتيق ولم لا تعمم سياحة الثقافة التراثية؟ 

على قاعدة "انحت ما تحب كي تحميه" سار عبدالله علي احمد في طريق حماية ادواته الزراعية التي ترعرع في كنفها، فالمزارع العتيق أبى أن يخلد ادواته لأنني "أخشى ان تضيع عدتي في غياهب العولمة، بعد أن اغتالتها يد الحضارة الجديدة والتكنولوجيا فقررت ان أنحتها من النحاس لأحميها"، يرمي بكلماته على منقل النحاسي الصغير جدا "صنعته بدقة حتى ادق التفاصيل ادخلتها" يقول الدقة في العمل تبدو جلية في تفاصيل القطع التي لم يغفل عنها بل تجد الشاكوش بعصاه الخشبية، وتلفتك "طبلية" الحجر المنحوتة بدقة "كانت تستعمل لدق اللحمة"، حتى الجاروشة حفرها من حجر "سماقي أحمر" حتى المنجل نحته بدقة. تكاد ان تختصر عدته البسيطة التي تحمل في طياتها مضامين جمة، حكاية فلاح عشق الأرض، فسخر قدراته ليبني منظومة بسيطة "ثقافة الفلاح" يتحدث أبو سهيل بحرقة عن اندثار تلك العدة "أكلت الآلة كل تقاليد الفلاح، قلة من تستعمل السكة والجاروشة والشاكوش والمجرفة، تفتت قيمنا الوطيدة ولا عتب الا على الانسان".

لم يبال بكل من شكك بقدرته في تحويل قطع النحاس الى عدة فلاح، بل تحدى الجميع، فأتت ادواته الصغيرة أشبه بفن خارج عن مألوفه، علاقة قوية تربطه بالأرض "فأنا ابن الأرض" يقول وهذا ما حدا به ان يخلد عشقه بفن ويؤرخه بقصيدة شعرية. يعتبر أبو سهيل أن "التراث فن يجب أن يرتقي الى مصاف السياحة ولكن في بلد كلبنان لا احد يبالي بارث يؤرشف حضارة زمن بكامله"، مضيفا "الكل يهتم بالمال والمتاجر ولكن احدا لا يخصص ثروة لبناء التراث والحضارة فكيف نبني مستقبلا".

يفلش أبو سهيل عدته الصغيرة على طاولته، يتحدث عن دور كل منها، "هي ارثنا وامتداد لجذورنا وتاريخنا" يقول، يضع فنه في خانة "ثقافة التراث" ويعول ان تتفتح "الغيرة عند جيل اليوم ليحمي هذا الارث، للأسف اغتالت العولمة تراثنا ونحن نتفرج عليه، يعز علي ان نرى تهاويه دون أن نتحرك لنحميه".

المزارع العتيق، المثقف التي نمّى الحقل ثقافته يعتبر "أن فنه يخلد موروثا زراعيا أصيلا، فنحن أبناء ارض..." .

أكثر من عشرين قطعة صنعها بدقة لا متناهية، ومعها صنع هوية فن جديد "النحت التراثي" الذي لم يسطع نجمه كثيرا نظرا الى "التلهي بالامور السطحية، وبناء المتاجر التجارية على حساب تعزيز الثقافة التراثية" بثقة يتحدث أبو سهيل عن فنه، يدرك أن "احدا لا يعير هذا الجانب اهتماما" ولكنه يقول "احاول ان أحميها قدر الامكان ولكن لم يبق من العمر كثير".

في زمن طغت عليه الآلة كان أبو سهيل يعمل بيديه عدته، اختار أن تكون صغيرة جدا "كي اتمكن من حملها أينما رحلت"، يتذكر كيف اخذها معه في ايام التهجير خوفا من أن تضيع". يمضي الكثير من وقته في الحقل، يحمل معوله وشوكته ويزرع الخضر المتنوعة، وفي استراحته يصنع عدته، أو يكتب الشعر، يحاول ان يبني واقعا فكريا ثقافيا تراثيا جديدا ولكن "جيل اليوم لا يبالي، همه بـselfi والتواصل الاجتماعي والتراث آخر همه".

فنان متعدد المواهب هو نحات وحرفي وشاعر صنعته الأرض "أنا ابن الأرض" يقول وهو يتحدث كيف صنع معولا صغيرا أخذ من وقته ساعات، وكيف نحت الجاروشة. الازميل، بين معوله ومجرفته حكاية لقد خلدها بقطع صغيرة مصقولة.

بحنكة فلاح عرف كيف يوظف وقته في خدمة اهدافه "نحن نعيش في عصر خطير لا قيم داخله، لا احد يدرك حجم الخطر من تهاوي تراثنا، قلة من تتحمل مسؤوليتها ولكن العتب على الاستخفاف بهذا الارث ، اخشى حين اموت ان يرمي اولادي هذه الثروة" ما يلفت النظر انها صغيرة جدا "وهنا تكمن البراعة والفن" يقول لافتا الى "انني صغرت الكبير وكبرت الصغير في اشارة الى الادوات التي غدت صغيرة وعلاقة المفاتيح التي صنعها من قرن الخاروف ووضع داخلها مفاتيح قديمة جدا، ومسبحة من عصا الرفش".

يعتبر ابو سهيل ما صنعته يداه ثروة كبرى، ارشفها بقصيدة وكما قال المثل "الشعر سلاح لا ينساه الدهر"، لا تتوقف فطرة ابو سهيل عند حدود فلقد جمع منحوتات صخرية ومتحجرات وجدها في الارض تعود للعصور الجيولوجية القديمة جدا، آخرها "نجمة بحر عثرت عليها في الحقل أثناء عملي وهذا يدل على اننا كنا مطمورين في البحر"، كما يملك "بلايس، بزيقا وخضارا واثمارا متحجرة".


قراءة المزيد